المبشر بن فاتك

95

مختار الحكم ومحاسن الكلم

وما أنت أول ملك أهّل لهذا الأمر . وإياك أن تأنس إلى أحد وتكشف إليه سرّك ، بل يكون خواصّك ورعيتك يأنسون إليك بحسن سياستك لهم . واجعل النوم لك بقدر راحة جسمك ، ولا تشغل نفسك إلّا بجدّ الأشياء ليكون أمرك كله جدّا بلا هزل . [ 13 ا ] وإذا هممت فافعل ؛ وإذا ظفرت فأبق ، وإذا أبقيت فاحذر . وإياك والغفلة عن الكيمياء العظمى وسياسة أهلها وميل قلوبهم والمسامحة لهم وهم الفلّاحون ، وإن الكيمياء عمارة الأرض بالزرع والنبات ، فإن الرعيّة بها يسكنون ، والجيد منها يكثرون ، وبيوت الأعمال منها تعمر ، والدولة بها تثبت . فليس سبيلك أن تغفل عن أمر هذا عقباه . وسبيلك أن تكرم أصحاب المراتب في المذهب من كل إنسان على قدر أهله وعلمه . وانتهز إكرامهم لئلّا تجهل الرعية حقوق أهل الفضل . ومن يطلب العلم فأكرمه واعرف حقّه وفوّض الإحسان إليه لتزيد همّته فيه ويلطف عقله ويصفو ذهنه ويقلّ همّه في أمر دنياه - تنتفع به إن شاء اللّه . وعجّل العقوبة على المفسدين في الأرض بعد أن يصحّ عندك جرمهم وتتضح جنايتهم . ومن قدح في ملكك فاضرب عنقه وأشهره « 1 » ليحذر غيره . ومن سرق فاقطع « 2 » يده . ومن تلصّص في طريق فاضرب عنقه واصلبه ليشتهر بذلك وتأمن سبلك . ومن وجد مع ذكر مثله يفسق به فحرقه بالنار واجب . ومن وجد مع امرأة يزنى بها فاضربه خمسين جلدة ، وارجم المرأة مائة حجر بعد إقامة البيّنة الثقة على ذلك « 2 » . واحذر أن تسمع قول ساع ؛ بل إذا صحّ عندك سعايته فعجّل عليه العقوبة وأشهره ترح قلبك أن يشتغل بالمحال . وإياك والغفلة عمن في الحبوس في كل شهر لئلّا يكون فيهم مظلوم : فمن استحق التخلية أطلقت سبيله بعد الإحسان إليه . وإن استحق العقوبة عجّلت

--> ( 1 ) أي واجعله علنا حتى يحذر غيره . - ص : وأشهر ليحذر . ( 2 ) يظهر من هذا القول أن صاحب هذا الكلام مسلم .